السيد محمد حسين الطهراني

236

معرفة الإمام

وسائر العلماء الإلهيّين والحكماء الربّانيّين وأولياء الله ، حتى الأنبياء السابقين والأوصياء الماضين لم تكن كصدر أمير المؤمنين عليه السلام في سعته وقابليّته لحمل العلوم والمعارف الباطنيّة والأسرار السبحانيّة وخفايا ورموز النبوّة والولاية . وكأنّ القرآن عُجن بوجوده ، واختمر بجبلّته وطينته ، وانطوت حقيقة القرآن في حقيقة وجوده . « 1 » قال ابن شهرآشوب : روى ابن أبي البُخْتَريّ من ستّة طرق ،

--> ( 1 ) - قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب « الإمام جعفر الصادق » ص 288 : يقول الشافعيّ عن مكانة عليّ في علوم الإسلام : كان عليّ كرّم الله وجهه قد خُصّ بعلم القرآن والفقه ، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله دعا له . وأمره أن يقضي بين الناس . وكانت قضاياه ترفع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فيُمضيها . ولقد آلى على نفسه بعد الفراغ من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله ألّا يرتدي إلّا للصلاة ، أو يجمع القرآن - كما أسلفنا - فجمعه مهتمّاً بأمور اصوليّة في الشريعة وفقهها تتعلّق بالمحكم والمتشابه ، أي : بما لا يحتمل الاجتهاد ، وما يحتمله ، وبالنصوص التي نُسخت والتي هي واجبة التطبيق ، وبالمطلق منها والذي يحتمل التخصيص ، والعزائم والرخص ، وبالفروض والمندوبات ، وفيها المحرم والمكروه ، وما هو تهذيب للُامّة من فضائل وآداب . وقال في الهامش : بهذا كان عليّ إمام المفسّرين . قال سعيد بن جُبير : قلتُ لابن عبّاس : ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمّداً توبة ؟ قال : لا . فتلوتُ عليه الآية التي في « الفرقان » . قال : هذه مكّيّة ، نسختها آية مدنيّة : وَمَن يَقْتُلُ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤهُ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا . ورووا أنّ ابن عبّاس ناظر عليّاً في الآية . فقال عليّ : من أين لك أنّها محكمة ؟ قال : تكاثف الوعيد . قال عليّ : إنّ الله نسخها بآيتين آية قبلها وآية بعدها في النظم . الأولي : قوله تعالى : إنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيمًا . وأمّا التي بعدها في النظم ، فهي قوله تعالى : إنَّ اللهَ لَا يَغْفِر أن يُشْرَكْ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِيناً . والمفسّرون يضيفون إلى الآيات قوله تعالى : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ - إلى قوله تعالى : وَيَخْلدُ فِيهِ مُهَاناً . ثمّ استثنى بقوله : إلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالحاً . [ هنا ] لكم صدق ابن عبّاس عندما سئل عن علمه وعلم ابن عمّه ( عليّ ) فقال : كالقطرة إلى جوار البحر المحيط .